عماد الدين خليل

12

المستشرقون والسيرة النبوية

إنه يجب أن نضع هذه الحقيقة في الحسبان كي لا نسبح في بحر الجزئيات المتلاطمة دون أن نعرف الحدود النهائية ، والملامح الأساسية ، والصورة الشاملة ( لوضع البحث الاستشراقي ) إزاء سيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . . ولن يرضى مسلم جاد أن يبقي عقيدته مفتوحة لدخول الريح الصفراء . . 6 بما أن وقائع السيرة هي بمثابة التشكّل التاريخي والواقعي لعقيدة الإسلام : قرآنا وسنّة ورصيدا تشريعيا ، وبما أنها البيئة الزمنية والمكانية لفعالية محمد صلى اللّه عليه وسلم النبي المبعوث عن اللّه سبحانه للعالم جميعا ، فإنّه يصعب من الوجهة الإسلامية اعتبارها مسألة تاريخية صرفة تخضع لأساليب النقد والتحليل التي تعامل بها مراحل التاريخ المختلفة ، والمناهج البشريّة النسبيّة التي تحاول أن تجعل الواقعة التاريخية مسألة مختبرية ، أو معملا للتشريح . . إن السيرة ، إذا اعتبرت كذلك ، قاد هذا الاعتبار إلى خطأين أساسيين : أما أولهما : فهو استحالة فهمها ما دام أنها أكبر من المناهج النسبية وأكثر شمولا ، وما دامت تستعصي على أساليب النقد والتحليل المحدودة القاصرة . وأما ثانيهما : فهو فتح الطريق أمام خصوم الإسلام لتدمير الثقة بمنطلقاته الأساسية ، وأيّ منطلق ، بعد القرآن الكريم ، أكثر ثقلا وأكبر أهميّة من السيرة : بيئة التخلّق الإسلامي على كل المستويات ، وتشكّله واكتماله ؟ لذا فإنه - من الناحية المبدئية - يجب على المثقف المسلم رفض القبول النهائيّ لنتائج بحوث المستشرقين في حقل السيرة . . لأنها مهما تكن على درجة من الحياديّة والنزاهة ؛ فإنها لا بدّ وأن تسقط الخطأين آنفي الذكر : القصور عن الفهم وتدمير الثقة بأسس هذا الدين . ولكن ما دام أن بحوث المستشرقين أمر واقع ، وهي تغطي مساحات في السيرة واسعة في مجال البحث التاريخي ، وتفرض ثقلها في الدوائر